أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

101

العقد الفريد

الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، وأصلي على محمد وآله ؛ اني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك ، فبيّن لي ما تحب فآتيه ، وما تكره فازدجر عنه . . . وقالت : إنه قد كان لك في قومك منكح ، وفي قومي مثل ذلك ، ولكن إذا قضى اللّه امرا كان ، وقد ملكت فاصنع ما أمرك اللّه به : إمساك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ « 1 » أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولك . قال : فأحوجتني واللّه يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع ، فقلت : الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، وأصلي على النبي وآله وأسلم ، وبعد ؛ فإنك قد قلت كلاما إن تثبتي عليه يكن ذلك حظّك ، وإن تدعيه يكن حجة عليك ؛ أحب كذا وأكره كذا ، ونحن جميع فلا تفرقي ، وما رأيت من حسنة فانشريها ، وما رأيت من سيئة فاستريها . وقالت شيئا لم أذكره : كيف محبتك لزيارة الأهل ؟ قلت : ما أحب ان يملّني أصهاري ! قالت : فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك آذن لهم ، ومن تكرهه أكرهه ؟ قلت : بنو فلان قوم صالحون ، وبنو فلان قوم سوء . قال : فبتّ يا شعبي بأنعم ليلة ، ومكثت معي حولا لا أرى إلا ما أحب ، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء ، فإذا بعجوز تأمر وتنهى في الدار ! فقلت : من هذه ؟ قالوا : فلانة ختنك « 2 » . فسري عني ما كنت أجد ، فلما جلست أقبلت العجوز فقالت : السلام عليك أبا أمية . قلت : وعليك السلام ، من أنت ؟ قالت : انا فلانة ختنك . قلت : قربك اللّه . قالت : كيف رأيت زوجتك ؟ قلت خير زوجة . فقال لي : أبا أمية ، إن المرأة لا تكون أسوأ منها في حالتين : إذا ولدت غلاما ، أو حظيت عند زوجها ؛ فإن رابك ريب فعليك بالسوط ؛ فو اللّه ما جاز الرجال في بيوتهم شرّا من المرأة المدللة . قلت : أما واللّه لقد أدّبت فأحسنت الأدب ، ورضت

--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 229 . ( 2 ) الختن : كل ما كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها ، وكذلك من زوج البنت وزوج الأخت .